محمد عبد الله دراز

269

دستور الأخلاق في القرآن

بمعنى ( شبّه ) أو بمعنى ( أتبع وضم ) ، فإذا لم يكن في السّياق شيء يحتم أحد هذين المعنيين ، فإنّ هناك مع ذلك عدة اعتبارات لغوية ، وأخرى ذات طابع عقلي ، تدفعنا إلى أن نختار المعنى الأخير . ومن المقرر ، كقاعدة عامة ، فيما يتعلق بتفسير الألفاظ الملتبسة ، أنّه يجب أن نحملها بقدر الإمكان على المعنى الحقيقي ، وهو أقل التباسا . فإذا كان حقا أنّ أحد المعنيين مادي محسوس ، والآخر مجرّد ، ذو طابع أخلاقي ، وهو لا يكون غالبا إلا بوساطة القياس ، فإنّ المعنى الأولي بأن نأخذ به في حالتنا سوف يكون هو ( الضّم ) ، وهو في الوقت نفسه ، أكثر تأكدا ، بما أنّ التّفسيرين يتفقان في مضمونه ، على حين أنّ معنى التّشبيه لا يحتمل سوى شيء وأحد . بيد أنّ لدينا من وراء هذه الاعتبارات العامة - نصوصا تعالج حالات شبيهة ، ولم يحدث أن تعرضت لذكر المعاملة على قدم المساواة ، وإنّما ذكرت مجرد الاشتراك المعبر عنه بلفظة ( مع ) ، وقد ورد هذا في القرآن : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ « 1 » ، كما ورد في كثير من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، الّذي يقرر أنّ المتحابّين في اللّه سوف يجتمعان في الجنّة : « أنت مع من أحببت » « 2 » ، و « المرء مع من أحبّ » « 3 » . فنحن نرى إذن أنّ المثال الّذي نتناوله بالبحث ليس سوى حالة

--> ( 1 ) النّساء : 69 . ( 2 ) انظر ، الكافي : 8 / 80 ح 35 ، دعائم الإسلام : 1 / 72 ، أمالي المفيد : 339 ، صحيح ابن حبان : 1 / 308 ح 105 ، مسند أحمد : 3 / 110 ح 12096 و 12792 و 13411 ، فتح الباري : 10 / 560 ، تحفة الأحوذي : 7 / 51 ، فيض القدير : 4 / 320 ، كشف الخفاء : 2 / 265 ح 2284 ، إعانة الطّالبين : 4 / 385 . ( 3 ) انظر ، فتح الباري بشرح صحيح البخاري : 10 / 559 ح 5818 ، علل الشّرائع : 1 / 140 ح 2 ، أمالي -